«كاسة شاي» بصورة الأقصى في محور نتساريم
خديجة حمودة
وتستمر كلمات وصور الغزاويين في دورها الفريد المميز الذي لم يلعبه شعب من قبل، ألا وهو أنّهم تحولوا إلى وحي للكتاب والشعراء والفنانين، بمعاناتهم ووجوههم وملامحهم التي تحكي قصة وتاريخا ومحطات ونقلات وتصاعدا وخفوتا وعودة لانفجار الصراع العربي الإسرائيلي.
ولم يتوقف الأمر على ذلك، فكل تعبيراتهم عن حياتهم وأوصافها ومشاعرهم وانفعالاتهم ناحية الفقد والحزن والوجع تختلف عن كل سكان الأرض، فقد منحهم الله الكثير من مشاعر وقدرات، سواء على التحمل والجلد أو النهوض من الكبوات واستئناف الحياة والتعبير عن المواقف التي مرّت بهم. وفي كل مشهد يظهر على شاشات الأخبار العالمية والعربية تخرج عناوين الصحف وأسماء الكتب والأفلام السينمائية والتسجيلية والوثائقية من بين كلماتهم وكأن التجربة علّمتهم كيف تكتب وترص وترسم الكلمات عناوين الصحف ونشرات الأخبار.
ومنذ ساعات، ظهر غزاوي يحمل كوبا من الشاي بين يديه، وقد ظهرت صورة واضحة على الكوب للمسجد الأقصى، وأكد أنّه سيدعو الأصدقاء قريبا على كاسة شاي في محور نتساريم، ومن خلفه كانت القوات الإسرائيلية تنسحب. ولمحور نتساريم قصص مختلفة مع أصحاب الأرض الأصليين، فهم أصحاب الحق، وحاجز نتساريم أو الطريق 749هو حاجز أنشأه سلاح المهندسين التابع للجيش الإسرائيلى، وقد اختار اسمه أحد جنرالات هذا السلاح، وهو ترجمة عبرية من كلمة النصيرات، فى اقتباس لاسم مخيم اللاجئين الفلسطينيين المجاور للمحور، وكان الهدف من إنشائه الإشراف الأمنى المباشر على ميناء غزة، إذ يشطر القطاع عرضيا، بداية من الأراضى التى تُسيطر عليها إسرائيل المتاخمة لشرق غزة، وصولا إلى البحر المتوسط، ويبلغ طوله قرابة 605 كم ويتقاطع مع شارع صلاح الدين، أحد الطريقين الرئيسيين الواصلين بين شمال وجنوب غزة لإنشاء تقاطع استراتيجي يتصل بطريق الرشيد الذي يمتد على طول ساحل غزة.
وقد أقيمت مستوطنة نتساريم عام 1972 وتحولت اليوم إلى أطلال، فقد كانت تقع وسط قطاع غزة، وكانت منفصلة عن كل كتلة استيطانية صهيونية أخرى، حيث بدأت كواحدة من مستوطنات ناحال «مستوطنات الرواد الشباب» العلمانية التي تتبع حركة هاشوميرها هاتزير «الحراس الشباب»، وفي عام 1984 تحولت إلى كيبوتس أرثوذكس، وبعد بضع سنوات قرر المستوطنون تحويلها من كيبوتس إلى قرية، وغالبا كان يشار إليها في وسائل الإعلام بأنها معقل للصهيونية الدينية، وقد قام المستوطنون فيها بزراعة المانجو والكروم والبطاطا والطماطم والكرز.
كما قاموا بتطوير المؤسسات التعليمية للمستوطنة مستقلة بذاتها بسبب موقعها والهجمات الفلسطينية المكثّفة خلال انتفاضة الأقصى خلال السنوات الأخيرة، حتى إنه لم يكن يُسمح بالتنقل من وإلى نتساريم إلا بوجود مرافقين مسلحين عسكريين، وكانت تلك المنطقة محاطة بوسائل دفاعية من كل اتجاهاتها، حيث تعتبر جزءا من مجال الحماية للجيش الإسرائيلي، وفي محيط المستوطنة كانت تنتشر أكثر من عشرة مواقع حراسة يشغلها جنود على مدى 24 ساعة في اليوم، ولذا كانت نتساريم تحت حماية كتيبة مشاة بشكل مستمر، بالإضافة إلى سرية دبابات.
ورغم أنّ شارون عندما أصبح رئيسا للحكومة منحها أهمية تل أبيب، وقال عام 2003 «إن مصير نتساريم مثل مصير تل أبيب»، فقد وافق على الانسحاب منها تماما وتسليمها للفلسطينيين ضمن خطة الانفصال عام 2005، ووقتها هدمتها إسرائيل تماما، وعلى خلفية عملية طوفان الأقصى أظهرت الصور الملتقطة بالأقمار الصناعية أنّ الممر أعيد بناؤه في زمن قياسي، حيث تفرض إسرائيل وجودها من خلاله، وقامت ببناء 2 كيلومتر منه، في محاولة لإحكام سيطرتها، حيث تعتمد عليه في حروبها ضد الفلسطينيين، وتعتبر هذا المحور نقطة مشتعلة في جميع حروبها، ولكن صمودهم أمامها يدفعها للانسحاب، فخلال معركة الفرقان قرّر شارون الانسحاب منه نهائيا عندما اقتحم المحور لواء مدرعات 401 بعد معارك استمرت 22 يوما، وفي 19 يناير الماضي كان انسحاب القوات الإسرائيلية منه أحد البنود الرئيسية من المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار، وكالعادة قامت القوات الإسرائيلية بتدمير ما أُعيد بناؤه تماما وإحراق الأثاث الذي كانوا يستخدمونه فيه. وهم بتلك التصرّفات يؤكدون أنهم شعب حرب ودمار.