كييف بين موسكو وواشنطن… هل انقلب السحر على الساحر؟
ترمب يتهم زيلينسكي بالديكتاتورية ورئيس أوكرانيا يحذر من وقوع نظيره الأميركي في شرك التضليل الإعلامي الروسي
سامي عمارة
كاتب وصحافي
ملخص
سارعت روسيا منذ البداية إلى تنويع نشاط مؤسساتها للتكيف مع العقوبات الغربية من خلال حلفائها فضلاً عن الاعتماد على الذات، وتوفير البدائل المحلية التي أسهمت في تطوير اقتصادها ليحقق عام 2024 وحده نمواً تجاوز أربعة في المئة.
سخرت روسيا من القرار الأخير للاتحاد الأوروبي حول إقرار الحزمة التالية من العقوبات المفروضة ضد موسكو، على رغم التأثير النسبي لهذه العقوبات، ونجاحها في تجاوز كثير من تبعاتها،
ولم تعد روسيا تأبه كثيراً لما تتخذه المؤسسات الغربية من قرارات العقوبات التي يبلغ عددها حتى اليوم 16 حزمة شملت كثيراً من المجالات ومنها الطاقة والتكنولوجيا والنقل السريع، والسلع ذات الاستخدام المزدوج، فضلاً عن العقوبات التي شملت الشخصيات والمؤسسات الاعتبارية، وتجميد الأصول المالية وإقصاء عدد من بنوكها من نظام التحويلات المالية العالمي (سويفت)، إلى جانب العقوبات التجارية والاقتصادية.
ومن اللافت في هذا الصدد أن العقوبات شملت أيضاً كثيراً من الشخصيات والأفراد بما في ذلك حظر تأشيرات الدخول التي طُبقت على عدد كبير من المسؤولين الروس وأفراد عائلاتهم ورجال الأعمال المقربين من الكرملين، وتجميد أصولهم المالية ومصادرة بعض ممتلكاتهم في البلدان الأجنبية، وهو ما اعتبرته موسكو محاولة لإثارة مشاعر الكراهية والانتقام ضد القيادتين السياسية والعسكرية، ونشر الفوضى والاضطرابات في روسيا.
نجاح روسيا في تجاوز العقوبات
على رغم التحديات الهائلة التي تواجه موسكو منذ بداية “عمليتها العسكرية الخاصة” في أوكرانيا، فلم ينهر الاقتصاد الروسي كما توقع كثر من المراقبين في داخل روسيا وخارجها. وكانت الولايات المتحدة وحلفاؤها من بلدان الاتحاد الأوروبي وبريطانيا وكندا واليابان وغيرها بادرت ومنذ اندلاع الأزمة الأوكرانية بفرض كثير من العقوبات على موسكو تدرجت لتشمل 15 حزمة، أضافت إليها بلدان الاتحاد الأوروبي أخيراً الحزمة رقم 16.
سارعت روسيا منذ البداية إلى تنويع نشاط مؤسساتها للتكيف مع العقوبات الغربية من خلال حلفائها فضلاً عن الاعتماد على الذات، وتوفير البدائل المحلية التي أسهمت في تطوير اقتصادها ليحقق عام 2024 وحده نمواً تجاوز أربعة في المئة، بما أسهم في وصولها إلى المرتبة الرابعة عالمياً عام 2023، متجاوزة دولاً مثل ألمانيا واليابان، والمرتبة الأولى في أوروبا من ناحية حجم الاقتصاد، متجاوزة ألمانيا.
وفي هذا الصدد نشير إلى ما اتخذته روسيا من إجراءات لتعزيز علاقاتها مع الصين والهند وتوسيع نشاطها التجاري مع كل من إيران وتركيا وبلدان آسيا الوسطى، وعدد من الدول العربية والأفريقية، مما أسهم في تعويض كثير من خسائرها الناجمة عن العقوبات الغربية.
كما نجحت في توفير البدائل من خلال زيادة الإنتاج المحلي في قطاعات مثل التكنولوجيا والصناعات التحويلية لتقليل الاعتماد على الواردات الغربية، إلى جانب تقليص اعتمادها على العملات الأجنبية، واستبدال المحلية البديلة بها، وكان ذلك محور مناقشات طويلة خلال القمة الأخيرة لرؤساء بلدان مجموعة “بريكس” والمنظمات الأخرى التي جمعت كثيراً من بلدان آسيا وأفريقيا.
وحققت روسيا خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة طفرة كبرى في صناعاتها العسكرية الدفاعية، من خلال تشغيل أكبر قدر من المصانع التي أسهمت في إنتاج حاجاتها من الأسلحة والذخيرة والمعدات العسكرية بما حققت من خلاله تفوقاً ملموساً على صعيد المواجهة في عمليتها العسكرية ضد أوكرانيا.
ويعني ذلك أن روسيا وعلى رغم كل ما تناثر على طريقها من تحديات هائلة، نجحت في كسب معاركها العسكرية في مواجهة ما يزيد على 50 دولة من بلدان الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وحلفائهما، فضلاً عن نجاحها في الصمود أمام العقوبات الغربية التي بلغ عددها عشرات الألوف من العقوبات شملت مختلف مجالات الحياة المدنية والعسكرية، مما أسهم في صعود الاقتصاد الروسي إلى المرتبة الرابعة عالمياً والأولى أوروبياً.
قصف مصفاة “كروبوتكينسكايا”
القرار الأخير المعني بفرض الحزمة 16 من العقوبات ضد روسيا جاء مواكباً لقصف أوكرانيا لمصفاة “كروبوتكينسكايا” للنفط، قرب أرمافير التابعة لاتحاد خط أنابيب بحر قزوين، بما يضر بالدرجة الأولى الدول التي تستخدم هذا الخط ومنها كازاخستان والدول الأوروبية المستفيدة منه، فضلاً عن أن روسيا ليست الوحيدة المستفيدة من وجود هذه “المصفاة” التي تشارك فيها شركات غربية ومنها “شيفرون” الأميركية و”إيني” الإيطالية.
ونذكر في هذا الصدد بما قاله الرئيس فلاديمير بوتين حول أن إصلاح الأضرار التي لحقت بهذه المصفاة كان يمكن أن يستغرق قرابة الشهر ونصف الشهر، لكنه وبعد قرار العقوبات سيتوقف لوقت أطول كثيراً إلى حين توفير البدائل، لأسباب تعود إلى أن هناك من المعدات التي تستلزمها عملية إصلاح “المصفاة” في إشارة إلى شركة “سيمنز” الألمانية التي شملها القرار الأخير، وهو ما أكدته شركة “ترانس نفط”.
ونقلت صحيفة “موسكوفسكي كومسوموليتس” عن المحلل المعروف في صندوق أمن الطاقة الوطني والباحث في الجامعة المالية التابعة للحكومة الروسية، إيغور يوشكوف، قوله إن المساهمين في خط الأنابيب وفي مشاريع الإنتاج في كازاخستان سيعانون أكثر مثل هذه العملية، وأضاف “هناك شركات دولية، معظمها أميركية وجزئياً أوروبية مثل ’شيفرون‘ و’إيني‘ وشركات أخرى لن يتمكنوا من بيع نفطهم، لعدم وجود طرق بديلة لإيصال الطاقة إلى الأسواق، وقد يُقلص الضخ من 50 إلى 70 في المئة، وبناءً على ذلك فإن كازاخستان ستعاني أيضاً، لأن عوائدها ستقل، وقد تنشأ مشكلات للغرب أثناء الإصلاحات فالعقوبات تضر بالدول الغربية نفسها، لأنها حظرت توريد معدات الطاقة إلى روسيا”.
عملية تخريب متعمدة
عملية قصف المسيرات الأوكرانية لمصفاة “كروبوتكينسكايا” تزامنت مع المحادثات التي جرت في الرياض بين وفدي روسيا وأميركا من دون مشاركة كييف، وهو ما أسهم في إثارة كثير من التلاسن الكلامي بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الأوكراني فلاديمير زيلينسكي “المنتهية ولايته منذ مايو (أيار) 2024″، وفي هذا الصدد قالت صحيفة “موسكوفسكي كومسوموليتس” إن أوكرانيا تحاول تعطيل المفاوضات مرة أخرى.
ونقلت الصحيفة الروسية عن المتخصص الاقتصادي أليكسي زوبيتس تأكيده أن “الهدف من العملية الأخيرة هو إثارة رد فعل من روسيا، تصبح معها التسوية السلمية مستحيلة، وستكون ردة الفعل الأميركية في هذه الحال سلبية، لأن الأمر يتعلق بمصالحهم النفطية أولاً، وثانياً، هذه ضربة لسمعة ترمب، ففي واشنطن يحاولون التوصل إلى اتفاق، في المقابل تمثل محاولة الأوكرانيين تعطيل المفاوضات، ويجب أن يكون هناك رد، وترمب ليس من النوع الذي يغفر مثل هذه الإهانات”.
تلاسن ترمب وزيلينسكي
الرئيس الأميركي دونالد ترمب تحدث عن خسائر شركات الولايات المتحدة من جراء العقوبات التي فرضتها واشنطن على موسكو، وذلك ضمن حديثه عن ضرورة التزام أوكرانيا بسداد ما حصلت عليه من بلاده من مساعدات، وقال ترمب صراحة إنه على أوكرانيا التزام سداد ما حصلت عليه من أموال ومساعدات عسكرية ومالية وهو يبلغ ما قيمته زهاء 300 مليار دولار.
وانتقد ترمب الطريقة التي استقبل بها زيلينسكي وزير الخزانة الأميركي في كييف، كذلك وصف الرئيس الأوكراني بأنه ديكتاتور انخفضت شعبيته حتى قرابة أربعة في المئة وأن بلاده في حال يرثى لها، وإذا كانت أوكرانيا تريد المشاركة في المحادثات الروسية الأميركية فعليها إجراء انتخابات أولاً، وذلك وفقاً لموقع “بريتبارت”.
ومن جانبه حمل زيلينسكي أيضاً على ترمب، متهماً إياه بترديد نقاط الدعاية الروسية، ويقصد هنا ما تحدثت عنه موسكو سابقاً عن عدم شرعية استمرار زيلينسكي في رئاسة أوكرانيا مما يبرر اتهاماتها له بالفاشية وعدم الشرعية، وهو ما رد عليه زيلينسكي بقوله، “للأسف، الرئيس ترمب، مع كل الاحترام الواجب له باعتباره زعيماً للشعب الأميركي، يعيش في فضاء (التضليل الإعلامي) من جانب روسيا”.
احتمالات تخفيف العقوبات
أمام ذلك، نشرت صحيفة “نيويورك تايمز” نقلاً عن وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إشارته إلى “احتمالية تخفيف العقوبات الأميركية” في حال بدأت روسيا في اتخاذ الخطوات التي تسعى واشنطن إلى تحقيقها، وقالت في عددها الأخير إن روبيو قال في محادثة هاتفية مع عدد من الدبلوماسيين الأوروبيين بعد ما جرى من محادثات مع الجانب الروسي في السعودية إن “الباب ترك مفتوحاً أمام إمكان تخفيف بعض العقوبات المفروضة على روسيا إذا بدأت موسكو في اتخاذ الخطوات التي تسعى إليها واشنطن”، وأضاف أن “الإدارة الأميركية لن ترفع ما اتخذته من عقوبات ضد روسيا في غياب تغيير ملحوظ في سلوك موسكو”.
ولم تحدد الصحيفة أسماء الذين تحدثوا مع روبيو، مشيرة إلى أن من بينهم ممثلين من بريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا، لكنها أشارت إلى أن روبيو نقل إلى زملائه الأوروبيين رسالة “أكثر توازناً وتصالحية” من التصريحات العلنية التي أدلى بها ممثلو الإدارة الأميركية، وحاول وزير الخارجية طمأنة “الحلفاء الأوروبيين ممن أصابهم التوتر بأن المحادثات في الرياض لا تمثل تحولاً حاداً في السياسة الأميركية”، بحسب الصحيفة.
وأشارت وكالة أنباء “تاس” الروسية إلى أن الخارجية الأميركية لم ترد على طلبها في شأن محادثات روبيو مع زملائه الأوروبيين، وبحسب المعلومات التي أوردتها فإن وزير الخارجية ونائب رئيس الوزراء الإيطالي أنطونيو تاجاني أدلي بإفادة صحافية عن المحادثة التي جرت، وإضافة إلى روبيو وتاجاني شارك في المحادثات وزراء من المملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا والممثلة العليا للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس.
وحول المحادثات الأخيرة مع الجانب الأميركي ذكر مساعد الرئيس الروسي للشؤون الخارجية يوري أوشاكوف الذي شارك في محادثات الرياض، برفقة وزير الخارجية سيرغي لافروف أن الوفدين أجريا نقاشاً جدياً حول كل القضايا التي أرادا طرحها، بما في ذلك مناقشة التقارب في مواقف روسيا والولايات المتحدة، والاتصالات حول أوكرانيا، وأوضح أنه لم يعرف بعد من سيكون من بين المفاوضين للتسوية الأوكرانية، والقرار سيكون بيد الرئيس بوتين.
ووصف لافروف المحادثة مع ممثلي واشنطن بأنها مفيدة للغاية، وأفاد بأن روسيا والولايات المتحدة اتفقتا على ضمان تعيين السفراء في العاصمتين في أقرب وقت ممكن، وأشارت وزارة الخارجية، بدورها، إلى أن لافروف وروبيو اتفقا في الاجتماع على إنشاء مجموعات تفاوضية في شأن أوكرانيا، وكذلك حول التعاون المستقبلي في القضايا ذات المصالح الجيوسياسية المشتركة.
وكانت المصادر الأميركية سبق وأكدت أن العلاقات الاقتصادية قد تشهد بعض التحولات بما في ذلك احتمالات عودة بعض الشركات الأميركية إلى الأسواق الروسية، على ضوء ما قاله ترمب حول أولويات المصالح الاقتصادية مما قد يشجع شركات الولايات المتحدة ومنها “إكسون موبيل” و”شيفرون”، على العودة إلى موسكو، ومن المؤكد سينعكس ذلك على تحسن العلاقات بين البلدين.
كان رئيس صندوق الاستثمار المباشر الروسي كيريل ديميتريف كشف على هامش محادثات الرياض عن أن خسائر الشركات الأميركية التي كانت تعمل في بلاده بلغت 324 مليار دولار، وتوقف الرئيس بوتين في تعليقه على نتائج محادثات الرياض عند اهتمام الجانبين بأولوية تطبيع العلاقات الثنائية وضرورة عودة سفارتيهما إلى العمل بصورة طبيعية نظراً إلى ما يربط البلدين من اتفاقات، ومنها اتفاقية الحد من الأسلحة الاستراتيجية الهجومية التي ينتهي موعدها عام 2026، وهو ما يجب التفكير فيه اعتباراً من الآن.