شارل فؤاد المصري
يكتب عن: تداعيات حل حزب العمال الكردستاني
شكَّل الصراع بين حزب العمال الكردستاني (PKK) والدولة التركية أحد أطول النزاعات المسلحة في الشرق الأوسط، حيث اندلع عام 1984 مُطالبًا بحقوق الأكراد.
ومع دعوة زعيمه عبد الله أوجلان -المُعتقل منذ 1999- إلى إلقاء السلاح وحل الحزب، تبرز تساؤلاتٌ حول تداعيات هذه الخطوة على المستويات المحلية والإقليمية والدولية.
قد يؤدي حل الحزب إلى خفض العنف المسلح، ما يُخفف العبء الأمني على الدولة التركية، ويُحرر موارد مالية ضخمة تُوجَّه لإعادة إعمار المناطق الكردية المُدمرة.
لكن التحدي الحقيقي يكمن في تجنُّب ظهور جماعات متطرفة جديدة إذا لم تُعالَج الأسباب الجذرية للصراع، مثل التهميش الثقافي والاقتصادي.
من ناحيةٍ أخرى، قد يُعزز حل الحزب وإلقاء السلاح شرعيةَ حزب العدالة والتنمية (AKP) كـ”صانع سلام”، بينما تواجه الأحزاب الكردية كحزب “الشعوب الديمقراطي (HDP) تحدياتٍ في إعادة تعريف دورها دون دعم شبه عسكري.
وقد تضطر أنقرة إلى تنفيذ إصلاحات دستورية (تعديل الدستور) لتعزيز الحقوق الثقافية واللغوية للأكراد، كإدراج اللغة الكردية في التعليم، وهو ما قد يُخفف الاحتقان التاريخي.
للحزب فروع إقليمية، مثل وحدات حماية الشعب (YPG) في سوريا، التي تدعمها الولايات المتحدة. وقد يُضعف حلُّ الحزب هذه الجماعات أو يُعيد تشكيل تحالفاتها، ما يؤثر على التوازنات في الحرب السورية وعلاقة أنقرة بواشنطن.
كما قد تتفاعل الجماعات الكردية في دول الجوار (مثل إيران والعراق) مع التغيير، إما بالسعي للسلام أو استغلال الفراغ السياسي، مما قد يزيد عدم الاستقرار الإقليمي.
ومن الآثار المُحتملة الإيجابية تحسُّن علاقات أنقرة بالاتحاد الأوروبي، خاصةً إذا رافق حلَّ الحزب إصلاحات ديمقراطية، لا سيما أن ملف حقوق الأقلية الكردية ظل عائقًا في مفاوضات انضمام تركيا إلى الاتحاد.
وقد تُعيد الدول الغربية تصنيف الحزب كمنظمة غير إرهابية، ما يُسهِّل التعاون الاستخباري والاقتصادي مع تركيا.
وربما يعزز الحل الثقةَ بين الأكراد والدولة إذا رافقته إصلاحات ملموسة، لكن إهمال مطالبهم قد يُعيد إنتاج العنف. كما أن إنهاء الصراع سيجذب الاستثمارات إلى جنوب شرق تركيا، ويُقلل النفقات العسكرية، لكن إعادة إدماج المقاتلين السابقين تتطلب برامج تأهيلية ضخمة.
لا يخلو المسار من تحدياتٍ، مثل خطر انشقاق جماعات متطرفة عن الحزب، أو مقاومة القوميين الأتراك للإصلاحات الكردية، أو تعقيدات الملف السوري وتدخلات القوى الدولية. بالمقابل، تبرز فرصٌ لتحويل الصراع إلى حوار سياسي يُعزز الاستقرار التركي، ويعزز التعاون الإقليمي في مكافحة الإرهاب وإدارة اللاجئين.
حل حزب العمال الكردستاني واستجابة الأكراد لدعوة أوجلان ليست نهاية المطاف، بل بداية مرحلةٍ في معالجة القضية الكردية عبر العدالة الاجتماعية والاعتراف الثقافي. دون ذلك، سيظل السلام هشًّا وقابلًا للانتكاس بأي أزمة مستقبلية. وعلى النقيض النجاح في هذه المعادلة قد يحوِّل تركيا إلى نموذجٍ لحل النزاعات العرقية المعقدة في المنطقة.