نبيل عمر :
ترامب يريد بنما وكندا وجرينلاند: نجوم العَلم الأمريكى مهددة بالنقصان!
تبدو الولايات المتحدة تحت رئاسة دونالد ترامب «مريضا نفسيا»، خليط من جنون العظمة والاضطراب، الإفراط فى حرية التصرف الفردى دون حسابات، بينما الأحداث تشده إلى الأرض بجاذبية الواقع وتناقض المصالح.
قد يبدو الكلام غير منطقى، فما يسرى على الأشخاص من علل نفسية، لا يسرى على الدول، خاصة إذا كانت الولايات المتحدة بإمكاناتها ودورها القيادى فى العالم، لكن المشاهد الحالية تشى بأن الدول أيضا يمكن أن تمرض نفسيا، فالدولة ليست فقط أرضا وموارد وجيوش وأسلحة، وإنما بشر، فإذا «تجاوز» الاستقطاب بينهم خطوطا طبيعية، فأنهم يضطربون فتصاب دولتهم بالعلل، سواء مادية أو نفسية، ومن لا يصدق كيف نفسر هذه الحكايات.. الحكاية الأولى: «لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى»، عبارة فخيمة على قبعة بيسبول حمراء، وضعها دونالد ترامب على رأسه كثيرا خلال حملته الانتخابية، والبيسبول لعبة أمريكا الأثيرة منذ عام 1845، داعيا ناخبيه إلى «شراء الأمريكى وتوظيف الأمريكى»، وبالفعل قلده مؤيدوه، ثم اكتشفوا أن قبعاتهم مصنوعة فى الصين وفيتنام وبنجلادش، فحدث لهم ارتباك وفزع تحول إلى تقارير صحفية وبرامج تليفزيونية، وفى الحقيقة قبعة ترامب صناعة أمريكية، وكانت تباع على الموقع الرسمى لحملته بـ30 دولارا، لكن المؤيدين اشتروا القبعة بـ 20 دولارا فقط، أى جروا وراء السعر الأرخص حسب مصالحهم كعادة أغلب البشر!
الحكاية الثانية: فى الأسبوع الماضى عقد المؤتمر السنوى للمحافظين فى واشنطن لثلاثة أيام، ناقش فيها أعضاء الحزب الجمهورى البارزون قضايا سياسية واقتصادية.. إلخ، وكان المؤتمر حالة فجة من غرور القوة والاستفزاز، ورسالة مباشرة بأن مطامع الحكام الجدد لن يعوقها عائق مهما يكون، مثلا هنأ «جى دى فانس» نائب الرئيس نفسه، على انتقاده للأوربيين وسياساتهم فى ميونيخ قبل أسبوعين، ثم وقف إيلون ماسك على خشبة المسرح وسط هتافات هستيرية، ممسكا بمنشار كبير يلوح به لأصحاب القبعات الحمراء، كأن يقول لهم: جئت لأقطع دابر البيروقراطية ونفقات الحكومة الفيدرالية.
أما ستيف بانون مستشار ترامب السابق فقدم عرضا حماسيا وسط صراخات وهوس: هل أنتم مستعدون للقتال من أجل ترامب؟، أحملوا حرابكم، قاتلوا.. قاتلوا.. قاتلوا.
يمكن أن نروى عشرات الحكايات من هذا النوع، الذى يصلح موضوعا لفيلم من أفلام المخرج البريطانى الشهير «الفريد هتشكوك» ملك الرعب والإثارة، لكن للأسف هتشكوك مات من 45 سنة، وفاتته هذه الحالات المعقدة!
لكن الحكاية الأخطر هى تصريحات ترامب التى لا تتوقف عن: استرداد قناة بنما، احتلال جزيرة جرينلاند الدانمركية، ضم كندا إلى الولايات المتحدة لتكون الولاية رقم 51، مع أن مساحة كندا تزيد على مساحة أمريكا بـ100 ألف كيلو متر مربع تقريبا.
الاستيلاء على غزة!!
أى يسعى الرئيس الأمريكى إلى التوسع خارج حدوده، بينما ولاية كليفورنيا داخل حدوده تقود حركة تمرد لتسحب نجمتها من علم الولايات المتحدة وتستقل بنفسها، وهى ليست حالة وحيدة، فهناك أربع ولايات أخرى بها حركات انفصالية: تكساس، ألاسكا، هاواى، وفيرمونت، لكن كاليفورنيا أقواها..وإذا نجح ماركوس رويز إيفانز رئيس حركة «نعم كاليفورنيا»، فى أن يجمع نصف مليون توقيع على نهاية يوليو الماضى، فيمكن إجراء استفتاء لسكان الولاية على السؤال: هل يجب أن تترك كاليفورنيا الولات المتحدة وتصبح دولة مستقلة؟، وإذا جاءت الإجابة بنعم، سيبدأ الإعداد لتصويت جديد فى عام 2028 على عدم الثقة فى الولايات المتحدة وإزالة العالم الأمريكى من جميع مبانى الولاية!.
وإذا أقبل 50 % من الناخبين على صناديق الاقتراع وقتها، ووافق 55 % منهم على مشروع الانفصال، سوف تستقل كاليفورنيا!
وكان ماركوس رويز إيفانس يتحرك على مهل من أجل استقلال كاليفورنيا منذ 12 عامًا، لكن فوز ترامب بالرئاسة فى 2016 أغاظه وأشعل نشاطه، فارتفع معدل التأييد للفكرة، وإن لم يصل وقتها إلى نصف مليون توقيع ضرورى لتقديم طلب إلى إدارة كليفورنيا، يجبرها على إجراء الاستفتاء، وها هو يحاول مجددا.
وإيفانس شخص عادى، ليس له تاريخ مرموق، عمره 49 سنة، حاصل على بكالوريوس فى التخطيط الحضرى والإقليمى من جامعة جنوب كاليفورنيا، يعيش فى مدينة فريسنو، وفريسنو كلمة إسبانية معناها «شجرة الرماد»، وهى تقع على بعد 350 كيلو مترا شمال مدينة لوس أنجلوس، و300 كيلو متر جنوب شرق سان فرانسيسكو، ولا يتجاوز عدد سكانها 550 ألف نسمة!
وقد وزعت حركة «نعم كاليفورنيا» منشورات فى الشارع ومكاتب العمل وعلى شبكة الإنترنت، قالوا فيها: أنت تملك فرصة تاريخية، للتصويت على خروج كاليفورنيا من الاتحاد، التصويت يعنى الكثير لك ولأسرتك ولمجتمعك الصغير، ولولايتنا، ولبلدنا، ولعالمنا، نحن سادس أكبر اقتصاد فى العالم، أقوى من الاقتصاد الفرنسى وعدد سكاننا أكبر من عدد سكان بولندا ( حوالى 39 مليون نسمة)، وكاليفورنيا يمكن أن تٌقارن بدول وتنافسها لا أن تكون مجرد ولاية مع 49 ولاية أخرى.
من وجهة نظرنا ثمة صدام وصراع كبير بين الولايات المتحدة وقيم كاليفورنيا، استمرارنا مجرد ولاية يعنى أن كاليفورنيا تقدم دعما لبقية الولايات، ما يسبب ضررا لنا ولأطفالنا، ورغم أن عمل الخير جزء من ثقافتنا، لكن البنية التحتية لكاليفورنيا متهالكة، ومدارسنا تقبع فى المراكز الأسوأ مقارنة بكل الولايات الأخرى، ولدينا أكبر عدد من المشردين بلا مأوى أو ضرورات الحياة، ومازال معدل الفقر مرتفعا، وعدم المساواة الاقتصادية يتوسع، وغالبا ما نقترض من أموال المستقبل لنكفى أنفسنا حاجات اليوم..
الآن ليس هو وقت عمل الخير..
إن استفتاء الاستقلال هدفه أن تأخذ كاليفورنيا مكانتها بين دول العالم، أمة لها حقوق متساوية، ونؤمن بحقيقتين فى غاية الأهمية..
الأولى: أن دولتنا سيكون لها تأثير إيجابى على بقية العالم.
الثانية: أننا سنكون أفضل كدولة مستقلة من مجرد ولاية فى الولايات المتحدة، وهذه أهم دوافعنا.
- تنفق حكومة الولايات المتحدة على ترسانتها العسكرية أكثر من مجموع الدول التالية لها فى الترتيب، ليس فقط كاليفورنيا التى عليها تدعم هذه الميزانية العسكرية من ضرائبنا، بل إنها تذهب لتقاتل فى حروب تعمل على إدامة الإرهاب وليس على تقليصه.
- لم يعد تصويت كاليفورنيا مؤثرا فى انتخابات الرئاسة الأمريكية منذ عام 1876، بل إن نتائج هذه الانتخابات تكون معروفة قبل فرز أصواتنا ( فارق خمس ساعات بين الشرق والغرب فى أمريكا)، فلماذا نبقى مرتبطين برؤساء لا نلعب أى دور فى انتخابهم.
- بعض المعادن والمصادر الطبيعية كالفحم والغاز والنفط تستخرج من أرضنا بقيم السوق المنخفضة، لشركات كبرى مرخصة من الحكومة الفيدرالية، ولا نتشارك فيها إلا بأقل القليل، وهذا استنزاف لموارد الولاية.
6 – كاليفورنيا رائدة فى قضية البيئة وتؤيد تقليل انبعاث الكربون، بينما أغلب الولايات الأخرى لا تعنيها مسألة التغييرات المناخية، ومع أن سكّان الولايات المتحدة أقل من 5 ٪ من سكان العالم، لكنهم يستهلكون ثلث ورق العالم، وربع نفطه، و27 ٪ من الألومنيوم، و23 ٪ من الفحم، و19 ٪ من النحاس، ونحن نريد موارد مستدامة.
هذه أسباب دعاة الانفصال، لكنه ليس سهلا، وصعبا أن يحدث فى المدى القريب أو المدى المتوسط، لكن الدعوة تبين أن الولايات المتحدة تجلس على فوهة ماء ساخن قد يغلى ويفور، والغريب أن إدارتها تدير ظهرها لمثل هذا الاستقطابات الحادة وتفكر فى استيلاء واحتلال وضم بلاد الآخرين، قطعا هذا مرض نفسى خطير!.
1
2
Share