مصطفى عبيد
أكذوبة اسمها: ما يطلبه الجمهور
خدعوك فقالوا: إن ذوق الجمهور هو هذا العنف والردح والإيحاءات والبذاءات وذلك الانحدار السلوكى والأخلاقى الذى قد نراه فى مسلسل ما فى رمضان أو غيره.
فتعليق دناءة المُنتج على رغبات السوق، هو ضرب من ضروب الانتهازية، وافتراء على أهل السوق وأذواقهم ورغباتهم، واختطاف لفكرة التحدث باسمهم بوصايات كاذبة.
مَن قال إن الناس تطلب القُبح؟ ومَن صدّق أن الترويج لمبادئ القوة والثراء والخداع، وتبنى سيادتها فى المجتمع هى الواقعية المفترضة؟
تلك أكاذيب يُرددها متابعون وفنانون وصُناع دراما، استسهلوا شعبوية اللغة والسلوك لكسب مشاهدات أكبر فى الدراما الحديثة. وكذبهم تؤكده دراما مُغايرة تنتصر للإنسان وللقيم دون صخب أو ضجيج وتُثبت إمكانية صناعة أعمال جميلة وجماهيرية دون خوض فى وحل الإسفاف.
إن أبسط دليل يؤكد ذلك هو مسلسل «لام الشمسية» الهادئ والعميق والمُدهش إبهارًا وعُمقًا وأثرًا، والذى أخرجه كريم الشناوى، وهو مُخرج عميق ومتميز وقادر على طرح قضايا خطيرة ومهمة فى المُجتمع من خلال فن قوى وجميل. وكتبته ورشة مريم نعوم والتى تمثل نموذجًا رائعًا للعمل الجماعى، وقام ببطولته أمينة خليل، وأحمد السعدنى، ومحمد شاهين.
الجميل فى هذا العمل أنه يطرح بقوة وعُمق واحدة من الظواهر السلبية الأكثر انتشارًا فى الآونة الأخيرة وهى ظاهرة التحرش الجنسى ضد الأطفال، والتى تتسع خفياً بسبب تحرُج الناس عن الخوض فيها، وتفضيلهم للصمت تجنبًا للقيل والقال.
يُصر كريم الشناوى على الدخول إلى أعشاش النحل، باحثًا عن العسل الفنى النقى، مُتحديًا صخب وضجيج دراما الشوارع التى هيمنت فى السنوات الأخيرة بثيمات مُكررة لمشاهد عنف وبلطجة واسفاف وابتذال تحت شعار كاذب يدّعى نقل الشارع المصرى إلى الشاشات.
يدرس كريم تصوراته ورؤاه بعناية وعمق ويمارس بحثًا وعملاً دؤوبًا قبل أن يختار عناصره المُتميزة، ليُجبر المُشاهد على الانتباه لفكرته دون جرح نظره أو سمعه بعبارات مُسفة. يبدو كنموذج نادر لمُبدع يمتلك أدواته ويرسم بإزميل صغير منحوتًا بديعاً.
فى السنوات الماضية أثبت لنا كريم الشناوى قدرة الفن على ترسيخ مبادئ جميلة فى مُجتمع يبدو من الظلم وصمه كله بالتخلف أو التطرف، أو التدنى، فرأينا «الهرشة السابعة» الذى يناقش اختلالات علاقات الأسر نتيجة ضغوط الحياة ورتباتها، ورأينا «خلى بالك من زيزي» الذى يٌقدم نماذج تعانى من نظرة استهجان مُجتمعى بسبب إصابتها بأمراض معينة، وغيرها من الأعمال التى دخلت البيوت، وعبرت عن هموم وتصورات الطبقة الوسطى المُتعلمة والتى تمثل الشريحة الأكبر فى المجتمع المصرى.
يتسع الجدل فى مصر حول الدراما وسقطاتها، وتتجدد الأسئلة حول فرص التطوير، ومسئولية الدولة وجدوى التوجيه والإرشاد، وفرص النمو والتأثير، مع مقارنات موفقة وغير موفقة مع الدراما التركية والسورية وغيرها.
لكن تبقى فى نظرى فكرة مُهمة وبسيطة سبق استخدامها فى عشرات القضايا العامة وأثبتت نجاحها وهى أن العملة الجيدة تطرد العملة الرديئة. فنحن لسنا فى حاجة لمنع سين أوصاد من العمل، ولسنا فى حاجة لتشكيل لجان لمراجعة الدراما وتحديد ما ينبغى طرحه وما لا ينبغى طرحه، لأن كل الوسائل الفوقية والأدوات الرقابية التى تم استخدامها من قبل فى مجال الفن لم تصنع فناً عظيماً وإنما مشوها.
والأسلم والأفضل هو فتح الأبواب أمام المبدعين القادرين على صناعة دراما قوية وعميقة ومؤثرة ونافعة للمُجتمع دون ابتذال، ولنا فى مسلسل «لام الشمسية «أسوة حسنة.
والله أعلم,
mostafawfd@hotmail.com